محمد أبو زهرة
4529
زهرة التفاسير
وذرة ، فحيثما نظرت إلى الجنتين وجدت طعاما طيبا ، فاكهة وتمرا وبقولا وغيره ، مما هو غذاء ومتعة ، و كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ، أي ثمرها كاملا موفورا وبانتظام لم تتخلف سنة عن أخرى بل آتت به رتيبا تباعا ، ولم تظلم منه شيئا ، أي لم تنقص منه شيئا وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً ، أي شققنا خلالهما نهرا يجرى فيكون السقي يسبح لا بآلة ، والماء موفور ، لا تصاب الزروع بحرمان من الماء ، ولا الأرض بجفاف منه ، بل كل شئ ممهد ، ولم تكن كلتا الجنتين هما كل ماله ، بل له مال آخر وهو مال مثمر من تجارة ونحوها ، وكان لهذا المال ثمر إذ كان يثمره وينتج به كنعم ومتاجر كما ذكرنا ؛ ولذا قال تعالى : وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ مع الجنات والزروع والنخيل ثمار لأموال أخرى . وكان حقا عليه أن يشكر هذه ، وأن يشعر صاحبه بأن له حق الأخوة والصحبة فيها ، ولكنه تكبر وافتخر بها ، وإذا دخل الفخار في نفس من أنعم اللّه تعالى عليه بنعمة ، فإن الفخار وراء الغرور والكبر ، إذ الكبر بطر النعمة وغمط الناس ؛ ولذا كان صاحبه أول من بادره بالمفاخرة فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً ، ( الفاء ) للعطف مع التورية والترتيب ، أي قال عقب أن حالت حاله إلى هذه الحال ، أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا ، وكأنه يقول له أنا أعلى منك منزلة لأنى أكثر منك مالا ، ومنازل أهل الدنيا بنيت على المال ، وإنه فوق كثرة ماله يحسب أنه أعز ، إذ قال : وَأَعَزُّ نَفَراً ، أي أنه عزيز بعزة الذين تبعوه في أمواله ولكثرة نسبه ، وأكثر أولادا ، يعتز بهم وبقوتهم وذهب غروره بهذه الحال التي هو عليها ولم يحسبها فانية ؛ لأن الكافر حسى لا يؤمن إلا بالمادة المحسوسة ومن علمت عليهم وجعلها هما ، لا يكون تفكيره إلا من الحال القائمة والأمر الموجود أو حكم الواقع كما يقال في هذا الزمان . وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ، أي دخل الجنة في هذه الحال التي استولت عليه حال الغرور ، وحال التعالى الكاذب وعدم المبالاة إلا بالساعة التي هو فيها ، واندفع بها إلى الشرك ، وهو بذلك الغرور والكبر وغمط الناس ظالم لنفسه ، فظلمه لنفسه بهذا الذي هو محيط به ، وقد أداه إلى الشرك كما ذكرنا وذلك ظلم عظيم ، وقد أداه ذلك إلى أن يقول : ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً ، فهو حكم بالحاضر على المستقبل ، وذلك شأن المادي الذي يأسر